الغزالي

134

إحياء علوم الدين

فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى ، فإن الصبي بجوهره خلق قابلا للخير والشر جميعا . وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » قال سهل بن عبد الله التستري ، كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل ، فأنظر إلى صلاة خالى محمد بن سوار . فقال لي يوما ، ألا تذكر الله الذي خلقك ؟ فقلت كيف أذكره قال قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات ، من غير أن تحرك به لسانك ، الله معي الله ناظر إلىّ ، الله شاهد . فقلت ذلك ليالي ، ثم أعلمته ، فقال قل في كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ، ثم أعلمته . فقال قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة ، فقلته . فوقع في قلبي حلاوته . فلما كان بعد سنة ، قال لي خالى ، احفظ ما علمتك ، ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة . فلم أزل على ذلك سنين ، فوجدت لذلك حلاوة في سرى ثم قال لي خالى يوما ، يا سهل ، من كان الله معه ، وناظر إليه ، وشاهده ، أيعصيه ؟ إياك والمعصية ، فكنت أخلو بنفسي . فبعثوا بي إلى المكتب ، فقلت إني لأخشى أن يتفرق على همى ، ولكن شارطوا المعلم أنى أذهب إليه ساعة فأتعلم . ثم أرجع . فمضيت إلى الكتاب ، فتعلمت القرءان وحفظته وأنا ابن ست سنين ، أو سبع سنين ، وكنت أصوم الدهر ، وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة ، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فسألت أهلي أن يبعثونى إلى أهل البصرة لأسأل عنها ، فأتيت البصرة ، فسألت علماءها ، فلم يشف أحد عنى شيئا . فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة ابن أبي عبد الله العبادانى فسألته عنها ، فأجابني . فأقمت عنده مدة ، أنتفع بكلامه ، وأتأدب بآدابه . ثم رجعت إلى تستر ، فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي ، فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة ، بحتا بغير ملح ولا أدم ، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة . ثم عزمت على أن أطوى ثلاث ليال ثم أفطر ليلة ، ثم خمسا ، ثم سبعا ثم خمسا وعشرين ليلة . فكنت على ذلك عشرين سنة . ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى تستر ، وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى . قال أحمد ، فما رأيته أكل الملح حتى لقى الله تعالى .